الشيخ محمد الصادقي الطهراني
190
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
هنا « قال » دون « فقال » : تفريعا للإمامة على إتمام الكلمات ، لأن إتمامها ليس إلا ظرفا صالحا لجعل الإمامة ، لا نتيجة ضرورية مفرّعة عليه ، أم ولأن من هذه الكلمات هي كلمات جعل الإمامة : « إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً » - / ومنها قوله : ومن ذريتي ، ثم جوابه : « قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » . فإن الإمامة ولا سيما هذه الكبرى ابتلاء عظيم بمسئوليتها الكبرى ، ثقيلة على من يحملها ، عظيم حملها بحملها ، ولكن إبراهيم عليه السلام أتمها وأتى بها كما أريد منه . ثم « إِنِّي جاعِلُكَ . . . » مما يدل على انحصار جعل الإمامة باللّه ، وانحساره عمن سواه ، و « جاعلك إماما . . . » حيث اسم الفاعل عامل في مفعوليه هنا ، دليل انه جعل في الحال ، حيث الفاعل الماضي لا يعمل ، واما الاستقبال فهو مجاز يحتاج إلى دليل وصدق المشتق بمادته ليس إلّا بصادق واقعها في الحال . والإمامة بإطلاقها هي القيادة الحقة كما هنا أو الباطلة كما « جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ » وليس المعني منها في ذلك الجعل ما دون العصمة من القيادة فان إبراهيم معصوم حينه بأعلى درجات النبوة ، وان اللّه لا يجعل قيادة روحية بانتصاب لمن هو دون العصمة ، فإنه قد يخطأ أو يقصّر أو يقصر ، فكيف يأتمنه اللّه على قيادته للناس ؟ ! . بل وليست هذه الإمامة هنا هي الرسالة أو النبوة ، فإنهما مجعولتان له ماضيتان ، ونفس « إِنِّي جاعِلُكَ » وحيا دليل على حاضر الوحي رسالة ونبوة ، فكيف يجعله صاحب وحي وهو رسول ، كما وهو الآن في مختتم عمره وقد آتاه اللّه الحكم والنبوة في شبابه : « رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » ( 26 : 83 ) - / ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ » ( 19 : 41 ) وذلك حين كان فتى وهو يحارب الآلهة المزيفة وعبّادها :